الصّور في الصّراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ: الأبطال والضحايا والجلاّدون

0

كتبه بالفرنسيّة : جيروم بوردون

نقله إلى العربيّة : قسم الماجستير 2: التعاون الدّولي والتّـواصل متعدّد الألسن: أمّ الخير أيّوب وآنّا ماريا بيريز- مارتينز، بإشراف الأستاذ سالم أخشوم، في إطار التعاون بين جامعة ستندال-قرونوبل 3  وموقع غروسيوس أنترناسيونال

 

التّرابط بين الصّراع العربيّ الإسرائيليّ ووسائل الإعلام قديم. فمنذ عهد بعيد، تفطّنت الأطراف الفاعلة في هذه المأساة لاهتمام وسائل الإعلام الأجنبيّة بما يحدث في المنطقة. فقد ولّد اهتمامها بشأن دولة إسرائيل منذ سنة 1948 اهتماما أوّل ترجمه سيلٌ من النّصوص يعقبه سيل من الصّور(منها أشرطة إخبارية ووثائقيّة) واكبه نضج الصناعة التلفزيونيّة في العالم الغربيّ وحرب الأيّام الستّة التي دفعت شيئا فشيئا بالاحتلال إلى البعد الأوّل وجعلت من الفلسطينيين طرفا إعلاميّا فاعلا، لتدشّن بذلك محطّة أخرى رئيسيّة

إنتاج وافر

لم يزل الصّراع موضوعا لإنتاج كثير من الصّور لا ينضبُ. ففضلا عن صُوَر الأخبار والتحقيقات التلفزيّة، يتعلّق الأمر بأنواع الصّور كافّة من الشريط الوثائقي (تغصّ المهرجانات بالأشرطة حوْل إسرائيل/فلسطين) والسينما (ولا سيّما في ظلّ النجاح الذي تعرفه السينما الإسرائيلية منذ عقد تليها بشوط واسع السينما الفلسطينيةُ (غرتز وخليفي 2008) إلى الرّسوم الهزليّة (كوتاك وكوتاك، 2003) وحتّى القصص المصوّرة

سنقتصر في هذا المقال على صور نشرات الأخبار لأهمّيتها القصوى بما تحظى به من عرض واسع ولأنّها كثيرا مّا تكون مصدر إلهام للفنّانين وصنّاع الأفلام ولمنتجين لصُور غيرها. إنتاج هذه الصّور هو نتيجة لعمليّة معقّدة وثمرة لتفاعل مستمرّ بين المصادر الإسرائيليّة والفلسطينيّة المدرِكة تمام الإدراك أهمّية الصّور والرّاغبةِ في ترويجها أوسع ترويج (لا يخلو دوما من تناقض) وبين صحفيين أغرّاء أحيانا قد يقعون في الفخّ ولا سيّما إذا كانوا حديثي عهْد بالمهْـنة

رؤى مختلفة لصوَر الصّراع

يمكن تحليل تمثيلات الصّراع من خلال تفاعلٍ بين ثلاثة أصناف من الصّور الممكن وجُودها لدى الطّرفين : الضحايا والجلاّدين والمقاتل. ففي أيِّما صراع، تحتلّ اليوم صورةُ الضّحية وسائلَ الإعلام. ولقد كان “صعودها” عمليّة معقّدة يمكن أن نعود بها إلى الاحتفاء بذلك الشاهد العائد من المعتقلات عند بداية محاكمة أيخمان. حواليْ الثمانينات، اندلع في الفضاء العامّ تنافس بين الضحايا – على حدّ عبارة عنوان المؤلَّف المفتاح لجان ميشال شومون (1998). فظهر شيئا فشيئا ضحايا التهجير والاحتلال الفلسطينيّون بينما لم تصوّر شرائط التّصوير أو التسجيل إلاّ قليلا مخيماتِ اللاّجئين بعد سنة 48. أمّا المنعطف فقد كان الحربَ اللبنانية سنة 1982. فقد ظهر في التلفزيون طرد اللاجئين الفلسطينيين صيْفا ولا سيّما مجزرة مخيّميْ صبرا وشتيلا التي نفّذتها الكتائب المسيحيّة برعاية الجيش الإسرائيلي ممّا خلق موجةً من التعاطف.
على المدى الطويل، كانت التغطية الإعلاميّة للاحتلال والاعتداءات الإسرائيليّة على الأراضي الفلسطينيّة تُؤتِي بحِزَم من الصّور التي أضحت مألوفة حتّى أمكن تحليلها من خلال أجناس محفوظة جيّدا. ومن ذلك صورة الجندي المدجّج بالسلاح مقابل المدنيّ في نقطة التفتيش (لإبراز التناقض، كثيرا ما يترقّب المصوّر امرأة أو طفلا أو شيخا بدلَ رجل كهل). وإنّ لمن المظاهر الأخرى لهذا الكوْن من الضّحايا، جنائزَ ضحايا القصف والاغتيال المستهدِف. ويشهد على ذلك منح جائزة مسابقة صور الصحافة العالمية World Press Photo لصورة التقطها المصوّر بول هانسن في العشرين من نوفمبر 2012 لجنازة طفليْن فلسطينيّيْن في غزّة إثر الهجوم الإسرائيليّ الأخير. وكيْف نغفل عن ذكر المشاهد التي صوّرتها القناة الفرنسيّة الثانية في أكتوبر سنة 2000 لطفل فلسطينيّ يُحتضَر في أحضان والده؟ مذّاك، أسال الجدلُ حوْل مصدر الرّصاص ثمّ حوْل حقيقة الأحداث ذاتها حبرًا كثيرًا أمّا الضحيّة الإسرائيليّة فظهورها أقلّ. من أسباب ذلك معطى إعلاميّ أكثر من سياسيّ: فتصوير عمليّة احتلال أيسرُ من تصوير العمليّات الانتحارية التي هي السّبب الأوّل في سقوط ضحايا إسرائيليين. إنّها تحظى بتغطية إعلاميّة واسعة لكنّ الصّور لا تعدو عموما أن تكون صورا لحافلة متفحّمة أو لسيّارات الإسعاف وهي تنقل الجرحى. إنّها لحظات مأسويّة يصعُب نقلُ تفاصيلها وليست من قبيل المألوف المكرور. أمّا الهجوم فيظهر نوعا آخر من الصّور حمّالَ أوجه. إنّها صورة المهاجم الانتحاريّ (المفجّر الانتحاريّ) الذي تسمّيه الصِّحافة الفرنسيّة “كاميكاز”. يبدأ الجدل من التسمية : فهل ينبغي القوْل “إرهابيّ” وفي أيّ ظروف؟ كيفَ نعالج أمر هذا الطرف الفاعل دون إثارة الجدل؟ ولقد أثارالتحقيق الصّحفي في عائلة الكاميكاز ومقابلة أمّه وكلّ ما من شأنه أن يرقّق له القلوبَ ويدعو إلى تفهّم أسباب فعلته، أكثرَ من مرّة سخطَ الموالين لإسرائيل الذين قد يميلون بغضّ النظر عن وصمها بسمة الإرهاب المتعصّب إلى تلك التّسمية التي تظهرها المقاطع المصوّرة التي ينجزها الكاميكاز قبل إقدامهم على فعلتهم. اختصارا، تتأرجح صورة الكاميكاز بين صورة الجلاّد المتعصّب وصورة الضحيّة المحتملة. ذلك لأنّه خارجَ مشهد الضحيّة دائما مّا يُوجد جلاّدٌ، فيُصبحُ ممكنا أن يُشفعَ بيسْرٍ التعاطفُ بالاستنكار. لذلك أيضا كانت صُوَر محمّد الدّرّة شديدَةَ الوقْع. إنّها تُوهِمُ وقد صُوِّرت مكبَّرةً ومن قُرب بأنّ مطلِقَ النّار يرى مَا يراهُ المصوِّرُ وأنّهُ عاتك على الطّفل رمْيًا بالرَّصاص. بصورة أشدّ حسّا، نرى أحيانا الجلاّد داخل نطاق الصّورة حينَ يعنّف جنودٌ بعض المدنيين بوحشيّة ويُرْصَدون على حين غفلة وهم ينهالون عليهم ضربا (وبالحجارة أيضا كما في التحقيق المشهور لقناة سي بي اس في فيفري 1988).  يضع الجنود أنفسَهم -وهم أحيانا لا يشعرون- في موضع الجلاّد، كما هو حال تلك المجنّدة الإسرائيليّة التي وضعت على صفحتها بالفايسبوك صورة تظهِـرُ مساجينَ فلسطينيّينَ في وضْع مُهين. وأخيرا، ونحن نرجع بالتّاريخ القهقرى، يجب ألاّ ننسى أن وسائل الإعلام قد أعْـلتْ قبلَ صُعود نجْمِ الضحايا من شأن صورة المقاتل. فالجنديّ، والمجنّدة الإسرائيليّة في الدّولة الجديدة خصوصًا، قدْ صُوّرا أوْ سُجّلاَ بكثرة على أنّهما مُنتصران لا جلاّديْن. ولقد ردَّ الفلسطينيّون الفعلَ كما تردّ المرآة الصوّرة فدعوْا بدوْرهم منذ السبعينات وسائلَ الإعلام إلى تصوير مقاتليهم. بيْد أنّ صورة المُقاتل لا تنفُق نَفَاق صورة الضّحيّة لأنّها لا يرى فيها أنفسَهم إلاّ ذوُو التأييد الرّاسخ بينما تمسّ صورة الضحيّة القلوبَ بصورة أنفذَ وأشملَ، بما في ذلك قلبُ من لم يكن له رأي قبل مرآها. ذلك ما يفسّر لمَ كانت آخر صورة لمقاتلٍ كثيرةِ التّـداول هي صورة طفل الحجارة خلال الانتفاضة الأولى: إنّ هذا المُقاتلَ المُتميّز برقّة عُودِه يبدو هو أيضا ضحيّة محتَمَلةً

صُور من الصّراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ تـتـقهـقـر

ونحنُ نخطّ هذه السّطور، نقف على تراجُع صور الصّراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ في نشرات الأخبار كما تراجع فيها الصّراع نفسه. إنّ في العالم العربيّ توتّراتٍ وصراعاتٍ أخرى تستبدّ بالاهتمام (بالأمس العراق واليوم سوريا). وإننّا نراهن رغم ذلك على أنّ الصّراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ لنْ يبرحَنا قريبًـا، لسبب مأسويّ فالصّراع أبعد ما يكون عن الحلّ والنذر بانتفاضة ثالثة ما فتئت تتردّد على الأسماع، ولسبب يتعلّق بوسائل الإعلام أيضا فالصّراع مرهون بقضايا دينيّة واستراتيجيّة وأخرى متّصلة بالهويّة والشّتات عديدةٍ تجعل منه محطّ أنظار دائم. سنرى إذًا الأطراف الفاعلة، إسرائيليين وفلسطينيين، تبذل ما في وسعها لتوجِّه عدسات الكاميرا الوجهَة التي يروْنَها أنسبَ. وتتفاوت في ذلك حظوظ النجاح تفاوتًا عبّر عنه في فكاهة بطعْم المرارة محاميان هبّا لنصرة الفلسطينيين إبّان الانتفاضة الثانية: للإسرائيليين بضاعة فاسدة يحسنون ترويجها وللفلسطينيين بضاعة رفيعة يسيئون بيْعها

 

المراجع

Bourdon, Jérôme (2008). Israël Palestine, l’emprise des images. DVD édité par l’INA et la chaîne parlementaire, 2X52 minutes.
Chaumont, Jean-Pierre (1997). La concurrence des victimes. Paris: La Découverte.
Enderlin, C. (2010). Un enfant est mort. Paris: Don Quichotte.
Taguieff, P.A (2010). La Nouvelle propagande antijuive. Du symbole al-Dura aux rumeurs de Gaza, Paris, PUF.
Gertz, N.  and Khleifi, G. (2008). Palestinian Cinema. Landscape, Trauma and Memory. Bloomington: Indiana University Press.
Kassir, Samir (1983). La Guerre du Liban et les Médias Français, Revue d’études palestiniennes, No 8.
Kotek, Joël et Dan (2003). Au nom de l’antisionisme: l’image des Juifs et d’Israël dans la caricature depuis la seconde Intifada. Bruxelles: Complexe.
Schweitzer, A. (1997). Le cinéma israélien de la modernité. Paris: l’Harmattan.