في العالم العربيّ : المجتمع المدني بلا دولة يعني قانون الغاب والعودة إلى الانتماءات التقليدية والدّينيّة

0

سارة بن نفيسة (1) باحثة في معهد الأبحاث من أجل التنمية وهي مختصّة في علم الاجتماع السياسيّ ومتخصّصة في الشؤون المصريّة وفي العالم العربيّ. تجيب عن أسئلة جمال مصراوي

أجرى الحوار بالفرنسيّة : جمال مصراوي

ترجمه إلى العربية : ليلى حسيْن طالبة  بقسم الماجستير 2 : التعاون الدّولي والتّـواصل متعدّد الألسن، بإشراف الأستاذ سالم أخشوم، في إطار التعاون بين جامعة ستندال-قرونوبل 3  وموقع غروسيوس أنترناسيونال

غروسيوس أنترناسيونال : تشهد بلدان الحوض المتوسّطي العربيّة منذ أشهر عدّة ميلادَ مجتمع مدني تعدّدي ومنفتح. فما هي الأسباب أو العوامل التي ساهمت في ولادة هذا المجتمع؟

 سارة بن نفيسة : في الحقيقة، إنّ ظهور هذه المجتمعات المدنيّة كان ملموسا منذ سنوات، غير أنّه من الممكن القولُ إنّ سقوط الطّغاة قد أتاح في تونس كما في مصر ازدهارا فائقا للمجتمعات المدنيّة. سرعان ما أدركت مجتمعات المنطقة أنّ التعبير السياسيّ القائم على طقوس الاقتراع والأحزاب السياسيّة بعيد عن حدّ الكفاية. فمن الممكن كذلك التعبير بواسطة الحراك الاجتماعي ووسائل الإعلام ووسائل التعبير الفنّي وغير ذلك. فإذا كانت المجتمعات المدنيّة في مصر وتونس تحاول قبل سقوط الطّغاة أنْ تقف في وجه التسلّط، فإنّ الأمر اليوم يتعلّق بإتمام نقائص الديمقراطية التمثيليّة. هذه الديمقراطية مكّنت التيّارات الإسلامية من نجاحات هامّة ولكن الإسلاميين يديرون شؤون دول في إطار مجتمعات قد تغيّرت بفعل الأحداث المؤسّسة والمتمثّلة في سقوط الطّغاة تحت ضغط الشّارع

 غروسيوس أنترناسيونال : كيف تعرّفين وأنتِ الباحثة هذا المنوال الجديد للحراك الجماعي والاحتجاج الاجتماعي الذي عرفته مختلف الدّول العربية منذ 2011؟

 سارة بن نفيسة : في الواقع، يبدو لي أنه ليس ثمة منوال جديد للحركات الاجتماعية ممّا ينبغي تحديده. في الحقيقة، توجد من أثر العولمة في المجتمعات وبفعل عودة سلطة رقابة الدّول على المجتمعات، هُجنة مّا من أشكال العمل الجماعيّ في العالم بالصّورة التي دافعت بها عن ذلك في مقدّمة عدد من أعداد “مجلّة العالم الثالث” المخصّصة للاحتجاجات والثورات في بلدان المنطقة المعنيّة. لم تعدْ أحداث الشغب حكرا على بلدان العالم الثالث بل يمكن أن نشهدها في الدّول الغربيّة أيضا ولم تعدْ الحركات الاجتماعيّة (قديمها وحديثها) حكرا على الدّول الغربيّة بل يمكن أن نقف عليها في البلدان النّامية ولا سيّما الدّول العربيّة أيضا. الثورتان اللّتان شهدتهما كلّ من تونس ومصر هما مثالُ ما يمكن أن نسمّيه ثورات العوْلمة…فلذلك اتُّخِذ ميدان التّحرير منوالا نسج عليه في جلّ أصقاع الأرض

غروسيوس أنترناسيونال: هل شجّع وصول الإسلاميين إلى السلطة في تونس ومصر على ظهور هذا المجتمع المدني الذي سيلعبُ دورا مهمّا في بناء وعي جمعي ومواطَنة ناشطة؟

 سارة بن نفيسة: في الحقيقة، يصطدم وصول الأحزاب الإسلامية إلى السّلطة بتغيّرات عميقة في السلوك الاجتماعي. فما عاد المواطنون يخشوْن التكلّم والنقد والنزول إلى الشارع وإن كانت أغلبية منهم قد صوّتت لصالح الإسلاميين. ففي مصر لنْ يقدر التكميمُ التشريعيّ المتسلّط لوسائل الإعلام والنقابات والجمعيّات وغيرها على صدّ فضاء عامّ حرّره المواطنون الذين بذلوا في هذا التحرير الثمن الغالي من قتلى وجرحى سقطوا خلال المواجهات العديدة على مدى السنتيْن الأخيرتيْن. قد أذهب ردّا عن سؤالك إلى القول إنّ مواطَنة ناشطة قد خرجت بعدُ إلى حيّز الوجود ولكننا نرى يا للأسف أنّ القوى الإسلاميّة لا تبدو مستعدّة حقّا لقَبولها

غروسيوس أنترناسيونال: ما هي القضايا الحقيقية للمجتمع المدنيّ العربيّ وأيّ مستقبل للتضامن التقليدي والتضامن الديني؟

 سارة بن نفيسة:ثمّة قضيّتان تبدوان لي أساسيّتيْن، وهما الحرّية الفرديّة والدّيمقراطيّة بالتزامن مع عدالة اجتماعيّة مبنيّة حوْل جهاز للدّولة مهيب قادر على ضمان الأمْن والعدْل. فالمجتمع المدني بلا دولة يعني قانون الغاب والعودة إلى الانتماءات التقليدية والدّينيّة. إنّ واحدةً من تناقضات المشهد السياسيّ الحاليّ تكمن في انخراط القوى الإسلاميّة في منطق ليبراليّ مُحدَث مُوغِل ومشكّك في الدّولة بينما تتعلّق مجتمعات المنطقة بالدّولة أيّما تعلّق وتطالب بها!.يجب أن لا ننسى أبدا أن محمّد البوعزيزي قد انتحر أمام مقرّ ولاية سيدي بوزيد

(1)

  سارة بن نفيسة: سارة بن نفيسة باحثة في معهد الأبحاث من أجل التنمية وهي مختصّة في علم الاجتماع السياسيّ ومتخصّصة في الشؤون المصريّة وفي العالم العربيّ. اشتغلت اشتغالا خاصّا بمنظمات المجتمع المدنيّ بما هي فضاء بديل للتعبير السياسيّ، وبالأشكال الممأسسة للعمل السياسي وعلى رأسها الأحزاب السياسي والاقتراع، وأخيرا بالعلاقات بين الحركات السياسيّة ووسائل الإعلام. يمكن الاطّلاع على مقالها (بالفرنسية)

«Mobilisations et révolutions dans les pays de la méditerranée arabe à l’heure de l’hybridation du politique. Egypte, Liban, Maroc, Tunisie» (Revue Tiers Monde, Hors-Série 2011, pp 5-26.