أيّ صلة بين العمل الإنساني والأصوليّة الدّينيّة الإسلاميّة؟

0

 كتبه: جمال مصراوي

ترجمه إلى العربيّة قسم الماجستير 2: التعاون الدّولي والتّـواصل متعدّد الألسن: آنّا ماريا بيريز- ماتينز، ليلى حسيْن، ندى محمود بإشراف الأستاذ سالم أخشوم، جامعة ستندال-قرونوبل 3.

منذ ما يقارب ثلاث سنوات، ما فتئت المجموعات الإرهابيّة المسلّحة من قبيل داعش[1] وجبهة النصرة[2] تنتدب مقاتلين جددا رجالا ونساءً بالغِين وقصّرا فرادى أو أسرا يأتون من فرنسا ومن المملكة المتحدة ومن ألمانيا ومن الولايات المتّحدة ومن تونس ومن إندونيسيا أومن بلدان أخرى من شتّى أصقاع العالم ليحاربوا النظام السّوري. قد يبلغ عدد الجهاديين في سوريا و/أو في العراق زهاء خمسين ألفا، عشرون ألفا منهم أجانبُ أتـوْا من أكثر من ثلاثة وثمانين بلدا

.تعدّ فرنسا أهمّ فيلق من الجهاديّين القادمين من الدّول الغربيّة، فقد انخرط في الجهاد في سوريا نحو ألف شخص مقيم في فرنسا بيد أنّ عددا متناميا من القصّر وخاصّة الفتيات منهم يُنتدب “للجهاد” في سوريا عبر قناة العمل الإنسانيّ

في شهر يناير/كانون الثاني المنصرم، صدر كتاب عنوانه نزع فتيل الإسلام الأصوليّ: الانحرافات الطّائفيّة التي تشوّه الإسلام[3] تفكك فيه كاتبته عالمة الإناسة دنيا بوزار بدقّة ظاهرة الأصوليّة الدّينيّة ذات الصّلة بالإسلام ومختلفَ صيَغ العقدنة. وإليها يعود فضل بعث مركز الوقاية من الانحرافات الطائفيّة المتعـلـقـة بالإسلام[4] من أجل التوقّي من خطر العقدنة الطائفيّة. يرمي هذا المركز إلى  «إزالة العقدنة»   عن الشبّان المعنيّين بها وتدريب الأعوان الاجتماعيّين (بصورة عامّة) على بناء وِضْعَـتِهم الحرفيّة العمليّة ومسايرة أقارب الضحايا في رصد ما قد يعرض من عقدنة ذات علاقة بالإسلام الأصوليّ لتوجيههم إلى هياكل مختصّة تساعد على  إزالة العقدنة

من جهة أخرى، وضعت وزارة الداخليّة في نيسان /أبريل المنقضي خطّة مُحكمـةً لمكافحة الإرهاب لتستجيبَ لحاجات الأسَر التي تعرّضت للعقدنة الطائفيّة. ويتمثّل أحد التدابير الرئيسيّة في منصّة للتبليغ ورقم أخضر  8000 005 696

ولقد استقبل المركز[5] منذ إنشائه في فبراير/ شباط الماضي حواليْ عشر مكالمات من أُسرٍ مـسّتها تلك الانحرافات الطائفية. ولم تكن النتائج متوَقَّعة، إذ يتراوح سنّ الجهاديين المرصودين بين الرّابعة عشرة والرّابعة والثلاثين. ثلثا الشبّان هم أبناء أسر ملحِدة وفرنسيّة وأقل من عشرة منهم ولدوا لآباء مسلمين بل إنّ أكثر أولئك لا يؤدّون الفرائض الدّينيّة

أمّا الفتيات فمعظمهنّ واقع تحت تأثير المشاهد المُروٍّعة المستخدمة في الفيديوهات المنشورة على شبكة الانترنت من قبل مجنِّدي الجماعات الإرهابيّة، إذ يحثّ أولئك المجنِّدون الشبابَ على الهرع إلى المساعدة الإنسانيّة لإخوانهم وأخواتهم في سوريا، مساعدة موقوفة على الأمّة، أيْ على جماعة المؤمنين، دون غيرها

عزّز وقوف الدول الغربية مكتوفة الأيدي أمام فظاعات الجيش السّوري منذ بداية التحركات الاحتجاجية ضدّ الحكومة السّوريّة[6]  في الخامس عشر من مارس /أذار 2011 شعورَ أولئك الشبّان بالانتماء إلى«أهل الحقّ »  واعتقادَهم بوجوب التّصدّي » للمؤامرة الغربية

أيّ صلة بين “العمل من أجل الإنسانية” والانحرافات الطائفية المتعلقة بالإسلام؟

للإجابة عن هذا السؤال، من المهمّ التذكير بأنّ خطابَ الأصوليّة الدّينيّة مبنيّ حوْل مُثل وقيم راسخة مثل الإخاء والتضامن والنّقاء.

العمل من أجل الإنسانية  هو العمل بامتياز، العمل الذي يحذو على الميدان العملَ المسلّح حذوَ النعل بالنعل. فهو وسيلة الجهاديّ اليافع لبيان صدق نيّته في التزامه  «الطّائفيّ» ، ومن خلاله يقف على تمتّن روابطه الاجتماعيّة بالجماعة التي تسمح له ببناء  « فقّاعة»  أمن وأمان. وبصفة طبيعيّة، يدرك الجهاديّ الشابّ أنّ نفسَه هي خيرُ ما يضحّي به ليرقى أسمى درجات النّقاء الذي طالما حلم به قبل حلوله بأرض الشّام. إنّ ذلك لهُـو عـُربان انتماء إلى أمّة وذوْدٍ عنها. إنّ الجُـود بالنفس هو بطريقة أخرى فكرة الواجب الكلّيّ لتضامن الأمّة العضويّ.

: هكذا يمنح الوجود الفعليّ في صفوف الجماعات المسلّحة في سوريا الشابّ المعقدنَ فرصة مزدوجة

  • ممارسة الجهاد «الخارجيّ »  ، أيْ القتال والكفالة الاجتماعيّة للمعوزين من أقارب المقاتلين من يتامى وجرحى وأرامل وغيرهم –
  • الجهاد  «الدّاخليّ» ، أيْ مجاهدة نفسه الشهوانيّة حتّى تنالَـه نقاوة » أهل الحقّ« كما يُصطلح عليه في خطابات العقدنة –

يشتق مصطلح الجهاد (الذي يترجم بعبارة الحرب المقدسة) لغويّا من الأصل (ج، ه، د) الذي يعني الجهد المستمرّ الذي يجب على المسلم بذله في مراعاة الأخلاق والتزام المكارم الدينيّة

بيْد أنّ الجهاد في الإسلام هو وسيلة التجدّد والتّبدّل الذّاتيّ والأخلاقيّ والرّوحيّ والاجتماعيّ. فحسب المفكّر غولن  « إنّ كلّ فعل بشريّ شُرع فيه بنوايا نبيلة يجلب للمجتمع منفعة ويعزّز مصلحة مشتركة ويقود إلى تحوّل حقيقيّ للمجتمع هو جزء من الجهاد الخارجيّ. يجبُ أن يرافقَ الجهاد الخارجيّ جهاد داخليّ لنيْل التوازن المنشود» .[7

ولنذكّـر هنا بأنّ منزلةَ العمل الإنسانيّ من الدّيانة الإسلاميّة بمنزلة الواسطة من العِقد ومكانه منها بمكان الدرّة من التّاج. فالتبرّع وإعانة المنكوب وإغاثة المكروب أعمال يستوي إلحاح الإسلام على إيتائها حتّى يتسنّى للمسلم الإعراب عن تضامنه تضامنا روحيّا واجتماعيّا في آن. إنّه لفضيلة اجتماعيّة جماعيّة. ففي العبادات الإسلاميّة، يمثّل بذل النفس وبذل المال والالتزام والتضحية أسسَ التضامن والتآخي ضمن جماعة المؤمنين «الأمّة» لترسيخ مبدأ الوحدة والمساواة بين أفرادها كلّ ترسيخ ممكن[8]. إنّ الطابع الإلزاميّ للعمل الإنسانيّ يجعل من واجب العوْن والإغاثة في الإسلام بمثابة شكل من أشكال التعبّد الذي من شأنه أن يعزّز مفهوم الطهارة (النقاء) لدى المسلم إذ يمكنه من خلال هذا المفهوم أن يتحقق من صدق عقيدته وأن يرجوَ محـوَ ذنوبه وأن يعزّز رابطة الأخوّة بمن أشبهه فيبلغ حينئذ أسمى درجات الأصالة الرّوحيّة، ما يمكّنه من أن يكون على مقربة من الرّسول في الفردوْس إن هو كفل يتيما في الحياة الدّنيا.

.منذ عام 2010، يشهد العمل الإنساني الإسلاميّ الفرنسيُّ ظهورَ جيل جديد من الفاعلين الجمعيّاتيين اختار أن يصرف جهوده إلى النهوض بالعمل الإنساني المسمّى “طائفيّ” وتنميته في فرنسا ودوليّا لتعزيز مفهوم الانتماء إلى الأمّة

ولنذكّر بأنّ ظهور أولى المنظمات غير الحكوميّة الإسلامية الدّوليّة يعود إلى الحرب (السوفيتية) الأولى في أفغانستان سنة 1979. طوال تلك الحرب، كانت تلك المنظمات غير الحكومية، التي كانت أبعد ما يكون من التجانس، تراوح بيْن استراتيجيّات مختلفة كالمراوحة بين “جهادِ الأرواح” (نشدان الخلاص الروحي) و”جهاد الأبدان” (علاج المسلمين نهارا ومحاربة أعدائهم ليْلا)[9]، وبيْن الاستراتيجيّةِ الدّعويّة أيْ مساعدة الشعوب الإسلاميّة المقهورة على الحفاظ على هويّتها وذلك بتوزيع كتب دينيّة وإنشاء هياكل طائفيّة

.ختامًا، سيظلّ العملُ الإنسانيّ عمدةَ عمليّة العقدنة الدينيّة التي تستهدف الشباب باعتبار توطّده “المقدّس” في الدّين الإسلاميّ، فما من أحد قد يشكّ في حسن نيّة من يدعو إليْه، بيْد أنّا لن نخبِرَ إلاّ على الميْدان موالجَ هذا العمل ومعارجَه

[1]  مختصر “دولة الإسلام في العراق والشام” التي يتزعّمها أبوبكر البغداديّ

[2]  وتسمّى كذلك جبهة النصرة لأهل الشّام

 [3]منشورات l’Atelier، 2014، 224 ص

[4] http://www.cpdsi.fr

[5] http://www.cpdsi.fr/ CPDSI

[6]  http://fr.wikipedia.org/wiki/Syrie

[7] Asma Asfaruddin, Fethullah Gülen et le jihad, Société civile, démocratie et islam : perspectives du mouvement Gülen, sous la dir. d’Erkan Togusulu, Éd. L’Harmattan, 2012.

[8] Marcel A. Broisard, L’Humanisme de l’Islam, Éd. Albin Michel, 1979.

[9] A. Ghandour, Jihad humanitaire, Éd. Flammarion, 2001.

Grotius International

Grotius International

La rédaction de Grotius International.