الطّلبة القادمون من جنوب الصحراء في المغرب أو كيف يشعرون بالغربة في أفريقيا

0

كتبته بالفرنسيّة : خديجة قباش مارياس، باحثة في الانثروبولوجيا بجامعة نيس-صوفيا أنتيبوليس

نقله إلى العربيّة : قسم الماجستير 2: التعاون الدّولي والتّـواصل متعدّد الألسن: أمّ الخير أيّوب، آنّا ماريا بيريز- مارتينز، ليلى حسيْن، ندى محمود بإشراف الأستاذ سالم أخشوم، جامعة ستندال-قرونوبل 3

 

في السنوات الأخيرة أصبح خوض تجربة العيش والدراسة في الخارج أمرا حتميّا على المرء في شبابه ليتيسّر له الاندماج في عالم العمل. بدأ المغرب يفرض نفسه وجهةً لطلبة جنوب الصحراء الذين يروْن في شدّ الرحال إلى هذا البلد فرصة لا تعوّض. يعدّ هؤلاء الطلبة أكثر من ثمانية آلاف قدموا من السينغال ومن الكاميرون ومن ساحل العاج، أيْ أساسا من بلدان ناطقة بالفرنسيّة وهم يمثلون 80 % من الطلبة الأجانب في المغرب

منذ التسعينات، لم يعد المغرب بلدا مصدرا للمهاجرين فقط وإنّما قبلة لهم شأنه في ذلك شأن جاريْه الجزائريّ والليبيّ. علاوة على الهجرة العابرة التي قد تطول أو تقصر، توجد في أيّامنا هذه هجرة في أوج ازدهارها وهي هجرة الطلبة. يُفسّر هذا الارتفاع في عدد طلبة جنوب الصحراء في المؤسسات التعليميّة المغربية العليا أوّلا بسياسة المملكة الحثيثة تجاه الدّول الإفريقية. فقد وقّع المغرب منذ ما يزيد على عشر سنوات مع جيرانه في جنوب الصحراء اتفاقيات ثنائيّة يمنح بمقتضاها الطلبة الأفارقة منحا دراسيّة. تمثل هذه الاتفاقيات المصراع الأكبر للتعاون المغربي الافريقي الرّامي إلى دعم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين المملكة وفضائها الافريقي وتعزيز مكانتها السياسيّة في القارّة. وفضلا على الأطر الرسميّة، يأتي كثير من الطلبة بوسائلهم الخاصّة للدراسة في المدارس الخاصّة أساسا. لكنّ هذه الوثبة الإيجابيّة نحو إفريقيا والأفارقة التي كان من المنتظر منها تعزيز الهوية الافريقية للمملكة لم تكن دون عراقيل تعثر خطاها في المجتمع المغربيّ. فرغم ترحابه بالسيّاح والمهاجرين إليه من الأوربيين، لا يبدي المجتمع المغربيّ الحفاوة نفسها تلقاء الطلبة القادمين من جنوب الصحراء والذين يكابدون العناء للاندماج فيه. ففيما تعدّ تجربة الدراسة في الخارج لعدد منهم فرصة لا تقدّر بثمن، يعيش هؤلاء الطلبة على وقع الإقصاء والمضايقة والعنصريّة وهو ما يدفعهم إلى مزيد من التضامن والانكفاء على جماعتهم

الدراسة في المغرب: فرصة لا تعوّض

متعددة هي الأسباب التي تدفع طلبة جنوب الصحراء إلى الدراسة في المغرب وهي مرتبطة خاصة بمسار كل واحد واحد منهم. بيْد أنّه ثمة حركية جماعية تنتج أسبابا ثلاثة كبرى تسعف هذه النقـلة داخل إفريقيا
أوّل الأسباب هو الرغبة الجامحة في الهجرة. فالدراسة في الخارج تعدّ امتيازا لا يحظى به إلا قلّة من الناس، إلاّ أنّ عددا لا بأس به من الطلبة يقرّون بأن اختيار المغرب هو خيار الذي لا خيار له ولاسيّما أنّ أغلبهم ليس لديه الإمكانيات المادّية ولا الإداريّة للدراسة في أوروبا
وثاني الأسباب مردّه إلى الروابط الاجتماعية وأحيانا العائليّة. فاختيار المغرب يتمّ عن سابق معرفة، بما أنّ لمعظم الطلبة قريبا أو صديقا مقيما في المغرب أو قد أقام به في يوم من الأيّام. فيلوذ هؤلاء الطلبة أساسا بشبكة معارفهم لتأمين وصولهم إلى المملكة ثمّ حلولهم بها. وينضاف إلى هذين السبيين العمليّين سبب ثالث يمكن نعته بالمثاليّ. إذ يقرّ قلّة من الطلبة الذين التقينا، وهم أساسا حديثو عهد بالمجيء، بأنهم اختاروا القدوم للدراسة في بلد إفريقي للقرب الجغرافي والتقارب الثقافي وحتّى العقديّ فيتجنّبوا الصورة النمطيّة للمهاجر الذي يغادر إفريقيا إلى أروبا أو أمريكا. ينبغي مع ذلك إجراء استبيان في أوساط الطلبة المؤمنين بالوحدة الإفريقية في نهاية مسارهم الجامعيّ لمعرفة مدى صمود إيمانهم بإفريقيا في وجه الواقع العسير لطلبة جنوب الصحراء في المغرب

إقصاء ومضايقة وعنصريّة

قد يسفر السفر للدراسة في المغرب عن رحلة حبلى بالمفاجآت. ففي سِيَر حياتهم، يروي الطلبة فرْق بين ما كانوا يأملونه حين كانوا في بلدانهم وبين الواقع لمّا وصلوا إلى بلد المقام. فالصدام بين الثقافتين حادّ والتّـفاهم غائب تمامًا. يتمّ اللقاء بالمجتمع المغربي على مستوى ثلاثة فضاءات متمايزة وهي الجامعة والشارع والمسكن لمن يقطن منهم في الشقق، ويختلف سلوك المغاربة تجاه هؤلاء الطلبة باختلاف المكان. ففي الجامعة تحُول بينهم وبين نظرائهم من الطلبة المغاربة مسافة من الحذر ويعسر التواصل معهم لأنّهم عادة مّا يستخدمون اللغة العربيّة التي لا يحسن الطلبة الأفارقة التوصّل بها. أمّا في الشارع وخصوصا في الأحياء الشعبيّة فالتجربة سلبيّة لأغلب الطلبة الذين يتعرضون إلى الشتم -إذ ينعتون بـ”عـزّي” وهي كلمة مغربيّة دارجة ذات مدلول سلبيّ يراد بها السّــود- وإلى المضايقةِ والرّمي بالحجارة من طرف أطفال الحيّ. أمّا عن علاقة الجوار، فهي موسومة بحسن المعاملة والدفء فيجد فيها الطلبة الأفارقة ما يشبه ما قد ألفوه بيْن ذويهم

تضامن وفئويّة

في مراكش، في حيّ الدّاوديات كما في كل الأحياء الجامعيّة في كبرى المدن المغربيّة كالدّار البيضاء والرّباط، نجد جماعات من الطلبة الأفارقة وجاليات من جنوب الصحراء منكفئةً على ذاتها ولكنّها على غاية من النظام. فأفرادها عادة ما يتقاسمون السكن ومعلوم كرائه وتكاليف المعيشة والنقل. إنّهم يواجهون الغربة بمحاولة إعادة خلق مناخ عائليّ ومألوف. فرغم تعدّد الأصول داخل تلك الجاليات، ينشأ ضمنها تضامن متين، تضامن لا يقوم على قاعدة البلد الأصل بل على لون البشرة-“بلاك” كما يرد على لسان بعضهم لوصف بعضهم الآخر. فالنمط الظاهريّ يتجاوز كوْنه مرجع تعرّف في المجتمع المغربي ليغدوَ خالقا للتضامن بلْهَ خالقا لفئة اجتماعيّة في مجتمع غير مرحِّب بها

Grotius International

Grotius International

La rédaction de Grotius International.